ابن كثير

88

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقتادة والسدي ولهذا نبه اللّه سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر ، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير فقال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ أي يقولون ذلك قولا ليس وراءه شيء آخر كما قال تعالى : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [ المنافقون : 1 ] أي إنما يقولون ذلك إذا جاءوك فقط لا في نفس الأمر ، ولهذا يؤكدون في الشهادة بأن ولام التأكيد في خبرها . كما أكدوا أمرهم قالوا : آمنا باللّه وباليوم الآخر ، وليس الأمر كذلك ، كما كذبهم اللّه في شهادتهم وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم بقوله تعالى : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [ المنافقون : 1 ] وبقوله : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . وقوله تعالى : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا أي بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر ، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون اللّه بذلك ، وأن ذلك نافعهم عنده ، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين كما قال تعالى : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ [ المجادلة : 18 ] ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ يقول : وما يغرون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون بذلك من أنفسهم كما قال تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [ النساء : 142 ] ومن القراء من قرأ وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد « 1 » . وقال ابن جرير : فإن قال قائل : كيف يكون المنافق للّه وللمؤمنين مخادعا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية ؟ قيل : لا تمتنع العرب من أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي هو في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعا ، فكذلك المنافق سمي مخادعا للّه وللمؤمنين بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية مما تخلّص به من القتل والسبي والعذاب العاجل وهو لغير ما أظهره مستبطن وذلك من فعله ، وإن كان خداعا للمؤمنين في عاجل الدنيا فهو لنفسه بذلك من فعله خادع ، لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها ويسقيها كأس سرورها ، وهو موردها به حياض عطبها ، ومجرعها به كأس عذابها ، ومزيرها « 2 » من غضب اللّه وأليم عقابه ما لا قبل لها به ، فذلك خديعته نفسه ظنا منه مع إساءته إليها في أمر معادها أنه إليها محسن كما قال تعالى : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ إعلاما منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم

--> ( 1 ) اختار الطبري قراءة ( وما يخدعون ) . قال : ومن الدلالة أيضا على أن هذه القراءة أولى بالصحة أن اللّه جلّ ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يخادعون اللّه والمؤمنين في أول الآية ، فمحال أن ينفي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه ، لأن ذلك تضاد في المعنى ، وذلك غير جائز من اللّه عزّ وجلّ . ( تفسير الطبري 1 / 153 ) ( 2 ) جعلها زيارة ، وهي هلاك ، سخرية بهم واستهزاء .